داود القيصري
54
شرح تائية ابن الفارض الكبرى
محالة » كما قال الشارح الأول [ أي : سعيد الدين الفرغاني ] ، أي : صرت حبيب محبوبتي بل محبا لنفسه في صورتها . وهذا القول ليس مثل ما قلته : « وإني التي أحببتها » ، فإن تلك المحبة كانت من جهة ذاتي ، غاية ما في الباب أني وجدت ذاتي عينها في النهاية فقلت كذلك . وهذه المحبة من جهة المحبوبة لأنها هي التي تحب ظهور صفاتها فيها كما قال : « أحببت أن أعرف » . 206 - خرجت بها عنّي إليها ، فلم أعد إليّ ، ومثلي لا يقول برجعة 206 - أي : خرجت بسبب المحبوبة عن نفسي واتصلت بها فلم أرجع إليّ مرة أخرى . ومن كان مثلي فانيا في الحضرة وباقيا بها لا يعود إلى نفسه مرة أخرى . وقوله : « ولم أعد إليّ ومثلي لا يقول برجعة » ليس معناه أني أعود إلى نفسي فاحتجب بها كما كنت من قبل ولا يصدر مني كما يصدر عن المحجوبين ، بل أكون في جميع أفعالي وأقوالي مشاهدا للحق سبحانه فاعلا به وله ناطقا به . 207 - وأفردت نفسي عن خروجي ، تكرّما ، فلم أرضها ، من بعد ذاك ، لصحبتي 207 - أي : ( المراد بالنفس هنا الذات لا النفس مصصح عليها ) ، أي : جعلت ذاتي مفردة مجردة عن رؤية خروجي من نفسي من جهة تكرمها أو لأجل تركمها ، فلم أرض من ذاك الإفراد والخروج عن النفس أن تكون في صحبتي ، فإن النفس محل الاحتجاب ومظهر الشيطنة والإضلال . 208 - وغيّبت عن إفراد نفسي ، بحيث لا يزاحمني إبداء وصف بحضرتي 208 - أي : جعلني الحق سبحانه بتجليه لي غائبا عن وصف إفرادي لنفسي ، فصرت بحيث لا يزاحمني وصف من الأوصاف ولا نعت من النعوت . إذ في هذه الحضرة لا يسع شيء أصلا ، كما قال رسول اللّه « صلى اللّه عليه [ وآله ] وسلم » معبرا عن هذا المقام : « لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل » « 1 » . ( وإنما أتى بغيبت مبنيا للمفعول ليدل على فناء ذاته بالكلية ، والباء في بحضرتي بمعنى : في ، أي في حضوري عند الحق سبحانه ) ( ولما كان في فناء ذاته موجبا للاتحاد ، قال : ) .
--> ( 1 ) انظر كشف الخفاء ( 2 / 226 ) .